فصل: الخبر عن حركة صاحب قسطنطينة إلى تونس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن زحف الأمير أبي العباس ولي العهد من مكان إمارته بالجريد إلى الحضرة

وما كان من مقتله

ومقتل أخويه الأميرين أبي فارس عزوز وأبي البقاء خالد كان السلطان أبو بكر قد عهد إلى ابنه الأمير أبي العباس صاحب أعمال الجريد كما ذكرناه سنة ثلاث وأربعين فلما بلغه مهلك أبيه وما كان من بيعة أخيه نعى على أهل الحضرة ما جاءوا به من نقض عهده‏.‏ودعا العرب إلى مظاهرته على أمره فأجابوه ونزعوا جميعاً إلى طاعته عن طاعة أخيه بما كان مرهفاً لحده في الاستبداد والضرب على أيدي أهل الدولة من العرب وسواهم‏.‏وزحف إلى الحضرة ولقيه أخوه أبو فارس صاحب عمل سوسة لقيه بالقيروان فأتاه طاعته وصار في جملته وجمع السلطان أبو حفص عمر جموعه واستركب واستلحق وأزاح العلل وأخرج غرة شعبان وارتحل عن تونس وحاجبه أبو محمد بن تافراكين قد نذر منه بالهلكة واعتمل في أسباب النجاة حتى إذا تراءى الجمعان رجع الحاجب إلى تونس في بعض الشغل وركب الليل ناجياً من المغرب‏.‏وبلغ خبر مفره إلى السلطان فأجفل واختل مصافه وتحيز إلى باجة فتلوم بها وتخلف عنه أهل المعسكر فلحقوا بالأمير أبي العباس وملك الحضرة ثامن رمضان ونزل برياض رأس الطابية وأطلق أخاه أبا البقاء من معتقله‏.‏ثم دخل إلى قصره سبع ليال من ملكه وصبحه الأمير أبو حفص ثامنها فاقتحم عليه البلد لصاغية كانت له في قلوب الغوغاء من غشيانه أسمارهم وطروقه منازلهم أيام جنون شبابه وقضاء لذاته في مرباه‏.‏وفتك بأخيه الأمير أبي العباس‏.‏ولسرعان ما نصب رأسه على القناة وداست شلوه سنابك العسكر وأصبح آية للمعتبرين‏.‏وثارت العامة بمن كانت بالبلد من وجوه العرب ورجالاتهم فقتلوا في تلك الهيعة من كتب عليه القتل‏.‏وتلوا كثيراً منهم إلى السلطان فاعتقلهم وقتل أبا الهول بن حمزة بن عمر من بينهم‏.‏وتقبض على أخوته خالد وعزوز وأمر بقطعهم من خلاف فقطعوا وكان فيه مهلكهم‏.‏واستوسق ملكه بالحضرة واستعمل على حجابته أبا العباس أحمد بن علي بن رزين من طبقة الكتاب كان كاتباً للشخشي الحاجب وبعده للقائد ظافر الكبير‏.‏واتصل بالسلطان أبي بكر لأول ملكه بالحضرة فأسف علي بن عمر بولاية ابن القالون الحاجب فخاطب السلطان فيه ونكبه‏.‏ثم أطلق من محبسه ومضى إلى المغرب ونزل على السلطان أبي سعيد فأحمد نزله‏.‏ثم رجع إلى الحضرة ولم يزل مشنوءاً أيام السلطان كلها واستكتب الأمير أبو حفص ولده محمداً وكانت له به وصلة فلما استوسق له الملك بعد مفر أبي محمد بن تافراكين كما ذكرناه ولى أباه أبا العباس هذا على حجابته وعقد على حربه وعساكره لظافر مولى أبيه وجده المعروف بالسنان واستخلص لنجواه وسرة مكتبه أبو عبد الله محمد بن الفضل بن نزار من طبقة الفقهاء ومن أهل البيوت النابهة بتونس كان له بها سلف مذكور واتصل بدار السلطان وارتسم بها مكتباً لولده‏.‏وقرأ عليه هذا الأمير أبو حفص فيمن قرأ عليه منهم فكانت له من أجل ذلك خصوصية به ومزيد عناية عنده‏.‏ولما استبد بأمره كان هو مستبداً بشوراه وجرت الحال على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكره‏.‏

  الخبر عن استيلاء السلطان أبي الحسن على إفريقية ومهلك الأمير أبي حفص

وانتقال الأبناء من بجاية وقسطنطينة إلى المغرب وما تخلل ذلك من الأحداث كان السلطان أبو الحسن يحدث نفسه منذ ملك تلمسان وقبلها بملك إفريقية ويتربص بالسلطان أبي بكر وشر له حسواً في ارتغاء‏.‏فلما لحق به حاجبه أبو محمد بن تافراكين بعد مهلكه رغبه في سلطانها واستحثه للقدوم عليها وحرك له الحوار فتنبهت لذلك عزائمه‏.‏ثم وصل الخبر بمهلك ولي العهد وأخويه وخبر الواقعة فأحفظه ذلك بما كان من رضاه بعهده وخطة الوفاق على ذلك بيده في سجله وذلك أن حاجب الأمير أبي العباس وهو أبو القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين كان سفر عن السلطان لآخر أيامه إلى السلطان أبي الحسن بهدية‏.‏وحمل سجل العهد فوقف عليه السلطان أبو الحسن وسأل منه أمضاه لمولاه وكتاب ذلك بخطه في سجله فخطه بيمينه وأحكم له عقده‏.‏فلما بلغه مهلك ولي العهد تعلل بأن النقض أتى على ما أحكمه فأجمع غزو إفريقية ومن بها فعسكر ظاهر تلمسان وفرق الأعطيات وأزاح العلل‏.‏ثم رحل في صفر من سنة ثمان وأربعين يجر الدنيا بما حملت‏.‏وأوفد عليه أبناء حمزة بن عمر أمراء البدو بإفريقية ورجالات الكعوب أخاهم خالداً يستصرخه لثأر أخيه أبي الهول الهالك يوم الواقعة فأجابهم‏.‏ونزع إليهم أيضاً أهل القاصية بإفريقية بطاعتهم فجاءوا في وفد واحد‏:‏ ابن مكي صاحب قابس وابن يملول صاحب توزر وابن العابد صاحب قفصة ومولاهم ابن أبي عنان صاحب الحامة وابن الخلف صاحب نفطة فلقوه بوهران وأتوه بيعتهم رغبة ورهبة وأدوا بيعة ابن ثابت صاحب طرابلس ولم يتخلف عنهم إلا لبعد داره‏.‏ثم جاء من بعدهم وعلى أثرهم صاحب الزاب يوسف بن منصور بن مزني ومعه مشيخة الموحدين الدوادرة وكبيرهم يعقوب بن علي فلقوه ببني حسن من أعمال بجاية فأوسع الكل حباء وكرامة وأسنى الصلاة والجوائز وعقد لكل منهم على بلده وعمله‏.‏وبعث مع أهل الجزائر الولاة للجباية لنظر مسعود بن إبراهيم اليرنياني من طبقة وزرائه وأغذ السير إلى بجاية فلما أطلت عساكره عليها توامر أهلها في الامتناع ثم أنابوا وخرج أميرها أبو عبد الله محمد بن الأمير أبي زكرياء فأتاه طاعته وصرفه إلى المغرب مع إخوانه وأنزله ببلد ندرومه‏.‏وأقطع له الكفاف من جبايتها وبعث على بجاية عماله وخلفاءه‏.‏وسار إلى قسطنطينة فخرج إليه أبناء الأمير أبي عبد الله يقدمهم كبيرهم الأمير أبو زيد فأتوه طاعتهم وأقبل عليهم وصرفهم إلى المغرب وأنزلهم بوجدة وأقطعهم جبايتها وأنزل بقسطنطينة خلفاءه وعماله وأطلق القرابة من مكان اعتقالهم بها وفيهم أبو عبد الله محمد أخو السلطان أبي بكر وبنوه ومحمد ابن الأمير خالد وإخوانه وبنوه وأصارهم في جملته حتى صرفهم الغرب من الحضرة من بعد ذلك‏.‏ووفد عليه هنالك بنو حمزة بن عمر ومشايخ قومهم الكعوب فأخبروه بإجفال المولى أبي حفص من تونس مع ظواعن أولاد مهلهل واستحثوه باعتراضهم قبل لحاقهم القفر وسرح معهم العساكر في طلبه لنظر حمو العشري من مواليه وسرح عسكراً آخراً إلى تونس لنظر يحيى بن سلسمان من بني عسكر ومعه أبو العباس بن مكي وسارت العساكر لطلب الأمير أبي حفص فأدركوه بأرض الحامة من جهات قابس وصبحوهم فدافعوا عن أنفسهم بعض الشيء‏.‏ثم انفضوا وكبا بالأمير أبي حفص جواده في بعض نافقاء الجرابيع وانجلت الغيابة عنه وعن مولاه ظافر راجلين فتقبض عليهما وواثقهما قائد الكتائب في قيده حتى إذا جن الليل وتوقع أن يفلتهما العرب من أساره قبل أن يصل بهما إلى مولاه فذبحهما وبعث برؤوسهما إلى السلطان أبي الحسن فوصلا إليه بباجة‏.‏وخلص الفل من الواقعة إلى قابس فتقبض عبد الملك بن مكي على رجالات من أهل الدولة كان فيهم أبو القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وصخر بن موسى من رجالات سدويكش وغيرهما من أعيان الدولة فبعث بهم ابن مكي إلى السلطان‏.‏فأما ابن عتو وصخر بن موسى وعلي بن منصور فقطعهم من خلاف واعتقل الباقين وسيقت العساكر إلى تونس‏.‏ثم جاء السلطان على أثرهم ودخل الحضرة في الزي والاحتفال في جمادى الآخرة من سنته وخفيت الأصوات وسكنت الدهماء وانقبضت أيدي أهل الفساد‏.‏وانقرض أمر الموحدين إلا ذبالاً في بونة فإنه عقد عليها للمولى الفضل ابن مولانا أبي بكر لمكان صهره ووفادته عليه بين يدي مهلك أبيه‏.‏ثم ارتحل السلطان إلى القيروان ثم إلى سوسة والمهدية وتطوف على المعالم التي بها ووقف على آثار ملوك الشيعة وصنهاجة في مصانعها ومبانيها والتمس البركة في زيارة القبور التي تذكر للصحابة والسلف من التابعين والأولياء وقفل إلى تونس ودخلها آخر شعبان من سنته‏.‏

  الخبر عن ولاية الأمير أبي العباس الفضل على بونة وأولية ذلك ومصائره

كان السلطان أبو الحسن قد أصهر إلى السلطان أبي بكر قبيل مهلكه في إحدى كرائمه وأوفد عليه في ذلك عريف بن يحيى كبير بني سويد من زغبة وصاحب شوراه وخالصة سره مع وفد من رجالات دولته من طبقات الفقهاء والكتاب والموالي كان فيهم صاحب الفتيا بمجلسه أبو عبد الله السطي وكاتب دولته أبو الفضل بن عبد الله بن أبي مدين وأمير الحرم عنبر الخصي فأسعف السلطان وعقد له على حظيته عزونة شقة ابنه الفضل وزفها إليه بين يدي مهلكه مع أخيها الفضل ومعه أبو محمد عبد الواحد من مشيخة الموحدين وأدركهم الخبر بمهلك السلطان في طريقهم‏.‏فلما قدموا على السلطان أبي الحسن تقبلهم بقبول حسن ورفع مجلس الفضل ولما استتب له ملكها أعرض له عن ذلك إلا أنه رعى له ذمة الصهر وسابقة الوعد فأقنعه بالعقد على بونة مكان عمله منذ أيام أبيه وأنزله بها عندما رحل عنها إلى تونس‏.‏واضطغن المولى الفضل من ذلك حقداً لما كان يرجوه من تجافيه له عن ملك آبائه ولحق وفادته وصهره وأقام بمكان عمله منها يؤمل الكرة إلى أن كان من أمن ما نذكره والله أعلم‏.‏

  الخبر عن بيعة العرب لابن أبي دبوس وواقعتهم مع السلطان أبي الحسن بالقيروان وما قارن ذلك كله من الأحداث

كان السلطان أبو الحسن لما استوسق له ملك إفريقية أسف العرب بمنعهم من الأمصار التي ملكوها بالإقطاعات والضرب على أيديهم في الأتاوات فوجموا لذلك واستكانوا لغلبته وتربصوا الدوائر‏.‏وربما كان بعض البادية منهم يشن الغارات في الأطراف فيعتدها السلطان من كبرائهم‏.‏وأغاروا بعض الأيام في ضواحي تونس فاستاقوا الظهر الذي كان للسلطان في مراعيها وأظلم الجو بينهم وبينه وخشوا عاديته وتوقعوا بأسه‏.‏ووفد عليه أيام الفطر من رجالاتهم خالد بن حمزة وأخوه أحمد من بني كعب وخليفة بن عبد الله بن مسكين وخليفة بن بوزيد من رجالات حكيم‏.‏وساءت ظنونهم في السلطان لسوء أفعالهم فداخلوا عبد الواحد بن اللحياني في الخروج على السلطان‏.‏وكان من خبر عبد الواحد هذا أنه بعد إجفاله من تونس سنة اثنتين وثلاثين كما ذكرناه لحق بأبي تاشفين فأقام عنده في مبرة وتكرمة‏.‏ولما أخذ السلطان أبو الحسن بمخنق تلمسان واشتد حصارها سأل عبد الواحد من أبي تاشفين تخليته للخروج فودعه وخرج للسلطان أبي الحسن فنزل عليه‏.‏ولم يزل في جملته إلى أن احتل بإفريقية‏.‏فلما خشن ما بينه وبين الكعوب والتمسوا الأعياص من بني أبي حفص ينصبونهم للأمر رجوا أن يظفروا من عبد الواحد بالبغية فداخلوه وارتاب لذلك وخشي بادرة السلطان فرفع إليه الخبر فتقبض السلطان عليهم بعد أن أحضرهم معه فأنكروا وبهتوا‏.‏ثم وبخهم واعتقلهم وعسكر بساحة الحضرة لغزوهم وتلوم لبعث الأعطيات وإزاحة العلل وبلغ الخبرإلى أحيائهم فقطع اليأس أسباب رجائهم‏.‏وانطلقوا يحزبون الأحزاب ويلتمسون للملك الأعياص‏.‏وكان أولاد مهلهل أقتالهم وعديلة حملهم قد أيأسهم السلطان من القبول والرضى بما بلغوا في نصيحة المولى أبي حفص ومظاهرته فلحقوا بالقفر ودخلوا الرمال فركب إليهم فتيتة بن حمزة وأمه ومعهما ظواعن أبنائهما متذممين لأولاد مهلهل بالعصبية والقرابة فأجابوهم واجتمعوا بقسطيلية وتواهبوا التراث والدماء وتدامروا بما شملهم من رهب السلطان وتوقع بأسه‏.‏وتفقدوا من أعياص الموحدين من ينصبونه للأمر وكان بتوزر أحمد بن عثمان بن أبي دبوس آخر خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش وقد ذكرنا خبره وخروجه بجهات طرابلس وأجلابه مع العرب على تونس أيام السلطان أبي عصيدة‏.‏ثم انفضوا وبقي عثمان بجهات قابس وطرابلس إلى أن هلك بجزيرة جربة واستقر بنو ابنه عبد السلام بالحضرة بعد حين فاعتقلوا بها أيام السلطان أبي بكر‏.‏ثم غربهم إلى الإسكندرية مع أولاد ابن الحكيم عند نكبته كما ذكرنا ذلك كله فنزلوا بالإسكندرية وأقبلوا على الحرف لمعاشهم‏.‏ورجع أحمد هذا من بينهم إلى المغرب واستقر بتوزر واحترف بالخياطة‏.‏ولما تفقد العرب الأعياص دلهم على نكرته بعض أهل عرفانه فانطلقوا إليه وجاءوا به وجمعوا له الآلة ونصبوه للأمر وتبايعوا على الاستماتة‏.‏وزحف إليهم السلطان في عساكره من تونس أيام الحج من سنة ثمان ولقيهم بالثنية دون القيروان فغلبهم وأجفلوا أمامه إلى القيروان‏.‏ثم تدامروا ورجعوا مستميتين ثاني محرم سنة تسع فاختل مصافه ودخل القيروان وانتهبوا معسكره بما يشتمل عليه وأخذوا بمخنقه إلى أن اختلفوا وأفرجوا عنه وخلص إلى تونس كما نذكر والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن حصار القصبة بتونس ثم الإفراج عن القيروان وعنها وما تخلل ذلك

كان الشيخ أبو محمد بن تافراكين أيام حجابته للسلطان أبي بكر مستبداً بأمره مفوضاً إليه في سائر شؤونه فلما استوزره السلطان أبو الحسن لم يجره على مألوفه لما كان قائماً على أمره وليس التفويض للوزراء من شأنه‏.‏وكان يظن أن السلطان أبا الحسن سيكل إليه أمر إفريقية وينصب معه الفضل للملك‏.‏وربما زعموا أنه عاهده على ذلك فكان في قلبه من الدولة مرض وكان العرب يفاوضونه بذات صدورهم من الخلاة والأجلاب فلما حصلوا على البغية من الظهور على السلطان أبي الحسن وعساكره وأحاطوا به في القيروان تحيل ابن تافراكين في الخروج عن السلطان لما تبين فيه من النكراء منه ومن قومه‏.‏وبعث العرب في لقائه وأن يحملوه حديث فيئهم إلى الطاعة فأذن له وخرج إليهم‏.‏وقلدوه حجابة سلطانهم ثم سرحوه إلى حصار القصبة‏.‏وكان السلطان عند رحيله من تونس خلف بها الكثير من حرمه وأبنائه ووجوه قومه واستخلف عليها يحيى بن سليمان العسكري من كبار بطانته وأهل مجلسه ووجوه قومه‏.‏فلما كانت واقعة القيروان واتصل الخبر بتونس كانت لبناته هيعة خشي عليها عسكر السلطان على أنفسهم فلجأ من كان معهم بتونس إلى قصبتها وأحاط بهم الغوغاء فامتنعت عليهم واتخذوا الآلة للحصار وفرقوا الأموال في الرجال وعظم فيها غناء بشير من المعلوجي الموالي فطار له ذكر‏.‏وكان الأمير أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن قد جاء من المغرب فوافاه الخبر دوين القيروان فانفض معسكره ورجع إلى تونس فكان معهم بالقصبة‏.‏ولما خرج ابن تافراكين من هوة الحصار بالقيروان إليهم طمعوا في الاستيلاء على قصبة تونس وفض ختامها فدفعوه إلى ذلك‏.‏ثم لحق به سلطانهم ابن أبي دبوس وعانى من ذلك ابن تافراكين صعباً لكثرة الرجل الذين كانوا بها ونصبوا المجانيق عليها فلم يغن شيئاً وهو أثناء ذلك يحاول النجاة لنفسه لاضطراب الأمور واختلال الرسوم إلى أن بلغه خلوص السلطان من القيروان إلى سوسة‏.‏وكان من خبره أن العرب بعد إيقاعهم بعساكره أحاطوا بالقيروان واشتدوا في حصارها وداخل السلطان أولاد مهلهل من الكعوب وحكيماً من بني سليم في الإفراج عنه واشترط لهم على ذلك الأموال واختلف رأي العرب لذلك ودخل عليه فتيتة بن حمزة بمكانه من القيروان زعيماً للطاعة فتقبله وأطلق إخوانه خالداً وأحمد ولم يثق إليهم ثم دخل إليه محمد بن طالب من أولاد مهلهل وخليفة بن بو زيد وأبو الهول بن يعقوب من أولاد القوس وأسرى معهم بعسكره إلى سوسة فصبحها منها في أساطيله إلى تونس وسبق الخبر إلى ابن تافراكين بتونس فتسلل من أصحابه وركب السفين إلى الإسكندرية في ربيع سنة تسع وأربعين‏.‏وأصبحوا وقد تفقدوه فاضطربوا وأجفلوا عن تونس وخرج أهل القصبة من أولياء السلطان فملكوها وخربوا منازل الحاشية فيها‏.‏ونزل السلطان بها من أسطوله في ربيع الآخر فاستقلت قدمه من العثار ورجا الكرة لولا ما قطع أسبابها عنه مما كان من انتزاء أبنائه بالمغرب على ما نذكره في أخبارهم‏.‏وأجلب العرب وابن أبي دبوس معهم على الحضرة ونازلوا بها السلطان فامتنعت عليهم فرجعوا إلى مهادنته فعقد لهم السلم ودخل حمزة بن عمر إليه وافداً فحبسه إلى أن تقبض على ابن أبي دبوس وأمكنه منه فلم يزل في محبسه إلى أن رحل إلى المغرب ولحق هو بالأندلس كما نذكره في أخباره وأقام السلطان بتونس ووفد عليه أحمد بن مكي فعقد لعبد الواحد بن اللحياني على الثغور الشرقية طرابلس وقابس وصفاقس وجربة وسرحه مع ابن مكي فهلك عند وصوله إليها في الطاعون الجارف وعقد لأبي القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وهو الذي كان قطعه بإغراء أبي محمد بن تافراكين‏.‏فلما ظهر خلافه أعاد ابن عتو إلى مكانه وعقد له على بلاد قسطيلية وسرحه إليها وأقام هو بتونس إلى أن كان ما نذكره‏.‏

  الخبر عن استيلاء الأمير الفضل على قسطنطينة وبجاية ثم استيلاء أمرائهما عليهما

كان سنن السلطان أبو الحسن في دولته بالمغرب وفود العمال عليه آخر كل سنة لإيراد جبايتهم والمحاسبة على أعمالهم فوفدوا عليه عامهم ذلك من قاصية المغرب ووافاهم خبر الواقعة بقسطنطينة وكان معهم ابن مزني عامل الزاب وفد أيضاً بجبايته وهديته وكان معهم أبو عمر تاشفين ابن السلطان أبي الحسن كان أسيراً من يوم واقعة طريف‏.‏وقعت المهادنة الطاغية وبين أبيه فأطلقه وأوفد معه جمعاً من بطارقته وقدموا معه على أبيه ووفد معه أخوه عبد الله من المغرب وكان أيضاً معهم وفد السودان من أهل مالي في غرض السفارة واجتمعوا كلهم بقسطنطينة‏.‏فلما اتصل بهم خبر الواقعة على السلطان كثر الاضطراب وتجلبت السفاه من الغوغاء إلى ما بأيديهم وخشي الملأ من أهل البلد على أنفسهم فاستدعوا أبا العباس الفضل من عمله ببونة‏.‏ولما أطل على القسطنطينة ثارت العامة بمن كان هنالك من الوفود والعمال وانتهبوا أموالهم واستلحموا منهم وخلص أبناء السلطان مع وفود السودان والجلالقة إلى بسكرة مع ابن مزني وفي خفارة يعقوب بن علي أمير الدواودة فأوسعهم ابن مزني قرى وتكرمة إلى أن لحقوا بالسلطان أبي الحسن بتونس في رجب من سنة تسع‏.‏ودخل المولى الفضل إلى قسطنطينة وأعاد ما ذهب من سلطان قومه‏.‏وشمل الناس بعدله وإحسانه وسوغ الإقطاع والجوائز ورحل إلى بجاية لما أنس من صاغية أهلهما إلى الدعوة الحفصية‏.‏فلما أطل عليها ثأر أهلها بالعمال الذين كان السلطان أنزلهم بها استباحوهم وأفلتوا من أيدي نكبتهم بجريعة الذقن ودخل المولى الفضل إلى بجاية واستولى على كرسي ملكها ونظمها مع قسطنطينة وبونة في ملكه‏.‏وأعاد ألقاب الخلافة ورسومها وشياتها كما كانت واعتزم على الرحيل إلى الحضرة‏.‏وبينما هو يحدث نفسه بذلك إذ وصل الخبر بقدوم أمراء بجاية وقسطنطينة من المغرب وكان من خبرهم أن الأمير أبا عنان لما بلغه خبر الواقعة بأبيه وإنتزاء منصور ابن أخيه أبي مالك بالبلد الجديد دار ملكهم وأحس بخلاص أبيه من هوة الحصار بالقيروان فوثب على الأمر ودعا لنفسه ورحل إلى المغرب كما نذكره في أخباره‏.‏وسرح الأمير أبا عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء صاحب بجاية من الأبناء إلى عمله وأمده بالأموال وأخذ عليه المواثيق ليكونن له رداء عون أبيه وليحول بينه وبين الخلوص إليه متى مر به‏.‏وانطلق أبو عبد الله إلى بجاية وقد سبقه إليها عمه الفضل واستولى عليها فنازله بها وطال حصارها ولحق به بمكانه من منازلتها نبيل المولى من المعلوجي مع أبناء الأمير أبي عبد الله وكافل بنيه من بعده‏.‏وتقدم إلى قسطنطينة وبها عامل من قبل الفضل فثار به الناس لحينه ودخل نبيل وملك البلد وأقام فيها دعوة أبي زيد ابن الأمير أبي عبد الله‏.‏وكان الأمير أبو عنان استصحبه وإخوانه إلى المغرب وبعد احتلاله بفاس سرحهم إلى مكان إمارتهم بقسطنطينة بعد أن أخذ عليهم الموثق في شأن أبيه بمثل موثق ابن عمهم فجاءوا على أثر نبيل مولاهم ودخلوا البلد‏.‏واحتل أبو زيد منها بمكان إمارته وسلطان قومه كما كان قبل رحلتهم إلى المغرب‏.‏ولم يزل الأمير أبو عبد الله ينازل بجاية إلى أن بيتها بعض ليالي رمضان من سنته بمداخلة بعض الأشياع من زعانفتها داخلهم مولاه وكافله فارح في ذلك فسرب فيهم الأموال وواعدوه للبيات وفتحوا له باب البر من أبوابها فاقتحمها وفاجأهم هدير الطبول فهب السلطان من نومه وخرج من قصره فتسنم الجبل المطل عليها متسرباً في شعابه إلى أن وضح الصباح وظهر عليه فجيء به إلى ابن أخيه فمن عليه واستبقاه وأركبه السفين إلى بلده بونة في شوال من سنة تسع وأربعين‏.‏ووجد بعض الأعياص من قرابته قد ثاروا بها وهو محمد بن عبد الواحد من ولد أبي بكر ابن الأمير أبي زكرياء الأكبر كان هو وأخوه عمر بالحضرة وكان لعمر منهما النظر على القرابة‏.‏فلما كان هذا الاضطراب لحقوا بالفضل وتركهم ببونة عند سفره إلى بجاية فحدثتهم أنفسهم بالانتزاء فلم يتم لهم الأمر‏.‏وثارت بهم الحاشية والعامة فقتلوا لوقتهم ووافى الفضل إلى بونة وقد انجلت غيابتهم ومحيت آثارهم ودخل إلى قصره وألقى عصا تسياره واستقل الأمير أبو عبد الله ابن الأمير أبي زكرياء ببجاية محل إمارة أبيه والأمير أبو زيد بن الأمير أبي عبد الله بقسطنطينة محل إمارة أبيه والأمير أبو العباس الفضل ببونة محل إمارته منذ عهد الإمرة والسلطان أبو الحسن بتونس إلى أن كان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن حركة الفضل إلى تونس بعد رحيل السلطان أبي الحسن إلي المغرب

كان العرب بعد ما قدمنا من طاعتهم وإسلامهم السلطان ابن أبي دبوس قد انقبضوا عن السلطان أبي الحسن وأجلبوا عليه ثانية وتولى كبر ذلك فتيتة بن حمزة وخالف إلى السلطان أخوه خالد مع أولاد مهلهل وافترق أمرهم‏.‏وخرج كبيرهم عمر بن حمزة حاجاً واستقدم فتيتة وأصحابه الأمير الفضل من مكان إمارته ببونة لطلب حقه واسترجاع ملك آبائه فأجابهم ووصل إلى أحيائهم آخر سنة تسع فنازلوا تونس وأجلبوا عليها‏.‏ثم أفرجوا عنها وعاودوا منازلتها أول سنة خمسين وأفرجوا عنها آخر المصيف‏.‏واستدعاهم أبو القاسم بن عتو صاحب الجريد من مكان عمله بتوزر فدخل في طاعة الفضل وحمل أهل الجريد كلهم عليها واتبعه في ذلك بنو مكي وانتقضت إفريقية على السلطان أبي الحسن من أطرافها فركب أساطيله إلى المغرب أيام الفطر من سنة خمسين‏.‏ونهض المولى الفضل إلى تونس وبها أبو الفضل ابن السلطان أبي الحسن كان أبوه قد عقد له عليها عند رحيله إلى المغرب تفادياً من ثورات الغوغاء ومعرات هيعتهم وأمن عليه بما كان قد عقد له من الصهر مع عمر بن حمزة في ابنته فلما أطلت رايات المولى الفضل على تونس أيام الحج نبضت عروق التشيع للدعوة الحفصية وأحاطت الغوغاء بالقصر ورجموه بالحجارة‏.‏وأرسل أبو الفضل إلى بني حمزة متذمماً بصهرهم فدخل عليه أبو الليل وأخرجه ومن معه من قومه إلى الحي‏.‏واستركب له من رجالات بني كعب من أبلغه مأمنه وهداه السبيل إلى وطنه ودخل الفضل إلى الحضرة وقعد بمجلس آبائه من الخلافة وجدد ما طمسه بنو مرين من معالم الدولة واستمر أمره على ذلك إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن مهلك الفضل وبيعة أخيه المولى أبي إسحاق في كفالة أبي محمد بن تافراكين وتحت استبداده

لما دخل أبو العباس الفضل إلى الحضرة واستبد بملكها عقد إلى حجابته لأحمد بن محمد بن عتو نائباً عن عمه أبي القاسم ريثما يصل من الجريد وعقد على جيشه وحربه لمحمد بن الشواش من بطانته‏.‏وكان وليه المطارد به أبو الليل فتية بن حمزه مستبداً عليه في سائر أحواله مشتطاً في طلباته‏.‏وأنف له بطانته من ذلك فحملوه على التنكر له وأن يديل منه بولاية خالد أخيه‏.‏وبعث عن أبي القاسم بن عتو وقد قلده حجابته وفوض إليه في أمره وجعل مقاد الدولة بيده فركب إليه البحر من سوسة واستأنف له خالد بن حمزة ظهيراً على أخيه بعد أن نبذ إليه عهده وفاوضهم أبو الليل بن حمزة قبل استحكام أمورهم فغلب على السلطان وحمله على عزله قائده محمد بن الشواش فدفعه إلى بونة على عساكرها‏.‏واضطرمت نار الفتنة بين أبي الليل بن حمزة وأخيه خالد وكاد شملهم أن ينصدع‏.‏وبينما هم يحشون نار الحرب ويجمعون الجموع والأحزاب إذ قدم كبيرهم عمر وأبو محمد عبد الله بن تافراكين من حجهم‏.‏وكان ابن تافراكين لما احتل بالإسكندرية بعث السلطان أبو الحسن فيه إلى أهل المشرق وخاطب ملوك مصر في التحكيم فيه فأجاره عليه الأمير المستبد على الدولة حينئذ بيبغاروس وخرج من مصر لقضاء فرضه وخرج عامئذ عمر بن حمزة لقضاء فريضه الحج أيضاً فاجتمعا في مشاهد الحج آخر سنة خمسين وتعاقدا على الرجوع إلى إفريقية والتظاهر على أمرهما وقفلا فألفيا خالداً وفتيتة على الصفين فأشار عمر بن داية فاجتمعا وتواقفا ومسح الإحن من صدورهما وتواطأوا جميعاً على المكر بالسلطان وبعث إليه فتية بالمراجعة فقبله واتفقوا على أن يقلد حجابته أبا محمد بن تافراكين حاجب أبيه وكبير دولته ويديل به من ابن عتو فأبى‏.‏ثم أضحت ونزلت أحياؤهم ظاهر البلد واستحثوا السلطان للخروج إليهم ليكملوا عقد ذلك معه فخرج ووقف بساحة البلد إلى أن أحاطوا به ثم اقتادوه إلى بيوتهم وأذنوا لابن تافراكين في دخول البلد فدخلها لإحدى عشرة من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين‏.‏وعمد إلى دار المولى أبي إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي بكر فاستخرجه بعد أن بذل لأمه من العهود والمواثيق ما رضيته وجاء به إلى القصر وأقعده على كرسي الخلافة وبايع له الناس خاصة وعامة وهو يومئذ غلام مناهز فانعقدت بيعته ودخل بنو كعب فأتوه طاعتهم وسيق إليه أخوه الفضل ليلتئذ فاعتقله وغط من جوف الليل بمحبسه حتى فاض‏.‏ولاذ حاجبه أبو القاسم بن عتو يومئذ بالاختفاء في غيابات البلد وعثر عليه لليال فامتحن وهلك في امتحانه وخوطب العمال في الجهات بأخذ البيعة على من قبلهم فبعثوا به‏.‏واستقام ابن يملول صاحب توزر على الطاعة وبحث بالجباية والهدية واتبعه صاحب نفطة وصاحب قفصة وخالفهم ابن مكي وذهب إلى الأجلاب على ابن تافراكين لما كان قد كفل السلطان وحجره عن التصرف في أمره واستبد عليه إلى أن كان ما نذكر إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن حركة صاحب قسطنطينة إلى تونس

وما كان من حجابة أبي العباس بن مكي وتصاريف ذلك لما استولى أبو محمد بن تافراكين على تونس وبايع للمولى أبي إسحاق بالخلافة واستبد عليه نقم عليه الأمراء شأن استبداده وشمر ابن مكي للسعي عليه بمنافسة كانت بينهما قديمة من لدن أيام السلطان أبي بكر‏.‏واستعان على ذلك بأولاد مهلهل مقاسمي أولاد أبي الليل في رياسة الكعوب ومجاذبيهم حبل الإمارة‏.‏فلما رأوا صاغية بن تافراكين إلى أولاد أبي الليل أقتالهم أجمعوا له ولهم وحالفوا بني حكيم من قبائل علاق وأجلبوا على الضواحي وشنوا الغارة‏.‏ثم وفدوا على الأمير أبي زيد صاحب قسطنطينة وأعمالها يستحثوهم للنهوض إلى إفريقية واستخلاص ملك آبائه ممن استبد عليه واحتازه فسرح معه عسكرين لنظر ميمون ومنصور الجاهل من مواليه وموالي أبيه وارتحلوا من قسطنطينة‏.‏وارتحل معهم يعقوب بن علي كبير الدواودة بمن معه من قومه‏.‏وسرح أبو محمد بن تافراكين من الحضرة للقائهم عسكراً مع أبي الليل بن حمزة لنظر مقاتل من موالي السلطان والتقى الجمعان ببلاد هوارة سنة اثنتين وخمسين فكانت الدبرة على أولاد أبي الليل‏.‏وقتل يومئذ أبو الليل فتيتة بن حمزة بيد يعقوب بن سحيم من أولاد القوس شيوخ بني حكيم ورجع فلهم إلى تونس فامتدت أيدي أولاد مهلهل وعساكر قسطظينة في البلاد وجبوا الأموال من أوطان هوارة وانتهوا إلى أبة‏.‏ثم قفلوا راجعين إلى قسطنطينة‏.‏وولي على أولاد أبي الليل مكان فتيتة أخوه خالد بن حمزة وقام بآمرهم‏.‏وكان أبو العباس بن مكي أثناء ذلك يكاتب المولى أبا زيد صاحب قسطنطينة من مكان ولايته بقابس ويعده من نفسه الوفادة والمدد بالمال والأحزاب والقيام بأعطيات العرب حتى إذا انصرم فصل الشتاء وفد عليه مع أولاد مهلهل فلقاه مبرة وتكريماً‏.‏وعقد له على حجابته وجمع عساكره وجهز آلته وأزاح علل تابعه ورحل من قسطنطينة سنة ثلاث وخمسين من صفر وجهز أبو محمد بن تافراكين سلطانه أبا إسحاق بما يحتاج إليه من العساكر والآلة وجعل على حربه ابنه أبا عبد الله محمد بن نزار من طبقة الفقهاء ومشيخة الكتاب كان يعلم أبناء السلطان الكتاب ويقرئهم القرآن كما قدمناه وفصل من تونس في التعبية حتى تراءى الجمعان بمرماجنة وتزاحفوا فاختل مصاف السلطان أبي إسحاق وافترقت جموعه وولوا منهزمين‏.‏واتبعهم القوم عشية يومهم ولحق السلطان بحاجبه محمد بن تافراكين بتونس وجاءوا على أثره فنازلوا تونس أياماً وطالت عليها الحرب‏.‏ثم امتنعت عليهم وارتحلوا إلى القيروان ثم إلى قفصة وبلغهم أن ملك المغرب الأقصى السلطان أبا عنان بعد استيلائه على المغرب الأوسط زحف إلى التخوم الشرقية وانتهى إلى المرية‏.‏وكان صاحب بجاية أبو عبد الله قد خالفهم إلى قسطنطينة بمداخلة أبي محمد بن تافراكين واستجاشته‏.‏ونازل جهات قسطنطينة وانتسف زروعها وشن الغارات في بسائطها فبلغه أنه رجع إلى بجاية منكمشاً من زحف بني مرين واعتزم الأمير أبو زيد على مبادرة ثغره ودار إمارته قسطنطينة‏.‏ورغب إليه أبو العباس بن مكي من أولاد مهلهل أن يخلف بينهم من إخوانه من يجتمعون إليه ويزاحفون به فولى عليهم أخاه أبا العباس فبايعوه وأقام فيهم هو وشقيقه أبو يحيى زكرياء إلى أن كان من شأنه ما نذكر وانصرف الأمير أبو زيد عند ذلك من قفصه يغذ السير إلى قسطنطينة واحتل بها في جمادى من سنته والله تعالى أعلم‏.‏